لماذا قررت الولايات المتحدة إنشاء محطة فضائية تسبح في مدار حول القمر؟ يبدو هذا السؤال مشروعا، خصوصا إذا علمنا بأن رواد
الفضاء تمكنوا من إنجاز مهماتهم قبل 50 سنة دون الحاجة إلى محطة كهذه.
يقول
بيت مغراث، مدير المبيعات العالمية والتسويق في فرع إستكشاف الفضاء في شركة بوينغ "إن الغرض من إنشاء هذه المحطة - البوابة هو استخدامها كمحطة
متوسطة للوصول إلى القمر ومن ثم إلى المريخ".
يمكن
وصف جون شانون بأنه مهندس هذه البوّابة. فعندما كان يعمل في ناسا حوالي
العام 2011، كُلّف بالتفكير في الهدف التالي للاستكشاف الفضائي البشري. يقول "جلستُ وراجعتُ كل المهمات التي خَططت ناسا لها في السنوات العشرين
الماضية. بلغ ارتفاع كومة الوثائق التي راجعتها أربعة أقدام".
بدأ شانون تركيز نظره على الأفكار والمشاريع
المجدية والقابلة للتطبيق. ويقول "الأمر الذي بدا معقولا جدا هو القدرة على
إنشاء محطة فضائية صغيرة الحجم يشغلها روّاد تتخذ لها مدارا حول القمر.
تتيح البوابة لأطقم الروّاد فرصة الاستعداد قبل الهبوط إلى سطح القمر، كما تسمح بتسيير العربات على سطح القمر عن بعد. ويمكنها أيضا أن تستخدم ملاذاً
آمناً إذا وقع أي طارئ خلال إحدى المهمات".
كانت
رحلات أبولو تأخذ كل المعدات الضرورية لتنفيذ مهماتها معها إلى القمر.
وكانت ناسا تضع روّادها في مدارات حول القمر تسمى مسارات العودة الحرة
يتمكن بواسطتها الروّاد من العودة إلى الأرض بأمان إذا وقع أي طارئ كأن
تصاب محركات المركبة التي من المفروض أن تقلهم إلى مدار حول القمر بعطل ما. ولكن هذا النظام حدد مواقع هبوط الروّاد بحزام ضيق يقع قرب خط استواء
القمر.
أما البوابة القمرية فسوف تحلق في مدار أعلى، وستتخذ لها مسارا بيضوي الشكل يقال له المدار القمري شبه
المستقيم (NRHO)، مما يمكن ناسا من إنزال الروّاد في أي موقع ترتأيه على
سطح القمر.
ويقول تشيمبرز "يعني هذا أنه عليك تجهيز مرحلة الهبوط على مسافة أبعد من القمر لكي تتمكن من أن تقرر ما إذا تريد التوجه
إلى أحد القطبين أو إلى خط استواء القمر".
لن تكون المحطة-البوابة جاهزة للعمل بحلول موعد الرحلة المقرر في عام 2014، ولكن يمكن لمركبة أورايون أن تلتحم بنسخة مصغرة وأقل تجهيزا
من النسخة النهائية من المحطة تتكون من وحدة دفع وقمرة صغيرة للطاقم.
ويقول
جون شانون إنه "في نهاية المطاف، ستصبح المحطة-البوابة مكانا تجمع فيه كل
الأمور اللوجستية التي تحتاجها مركبة متوجهة إلى المريخ".
ولكن
موضوع إنشاء البوابة القمرية ما زال يثير الكثير من اللغط والجدل. فالدكتور روبرت زوبرين، وهو مؤلف كتاب عنوانه "الحجة لصالح استكشاف
الفضاء"، يرى أن المشروع يشكّل توقفا غير ضروري في الطريق إلى القمر، ويصفه
بأنه مثل "حاجز مداري لجباية الأجور".
أما جون لوغسدون من جامعة جورج واشنطن فيقول "إذا كان هدفك الوحيد هو الهبوط في قطب القمر
الجنوبي، فلا أعتقد في هذه الحالة أن ثمة ضرورة لوجود البوابة. ولكن الخطة
الموضوعة تنص على إجراء هبوط أولي على سطح القمر في عام 2014 على أن يتحول
البرنامج إلى برنامج مستدام بحلول عام 2028 لاستكشاف القمر ومن ثم المريخ. إذا كانت هذه هي الخطة، سيصبح وجود البوابة أمرا حيويا".
يزعم كثيرون أن الهبوط على القمر كان الحدث المميّز في القرن العشرين. ففي العشرين من تموز / يوليو 1969، كان الرائدان نيل آرمسترونغ
وأدوين (باز) ألدرين يقتربان من سطح القمر بسرعة بمركبتهما. ولأسباب غير
معروفة، كانت المركبة تحيد عن مسارها وتتوجه إلى موقع يبعد عن موقع الهبوط
المخطط له بأربعة أميال.
وفي الأمتار الـ 610 الأخيرة من
عملية الهبوط الآلية، ألقى آرمسترونغ نظرة من خلال شباك المركبة ورأى أنها
تتوجه صوب حفرة قمرية كبيرة تحيطها صخور لا يقل حجم الواحدة منها عن حجم السيارة. خلاصة القول إن كارثة كانت ستحصل لو هبطت المركبة في ذلك الموقع.
ولذا،
وعندما هبطت المركبة إلى ارتفاع 152 متراً فقط عن السطح، أمسك آرمسترونغ
بزمام السيطرة عليها وقادها كما تقاد الطائرات المروحية. توجه آرمسترونغ بالمركبة إلى منطقة سهلية مستوية حيث هبط بها بأمان متجاوزا بذلك الحفرة
القمرية وصخورها الكبيرة.
ولكن مما لاشك فيه أن عمليات الهبوط المستقبلية ينبغي أن تكون أكثر دقة وأمانا.
بهذا
الصدد، يقول كين غابرييل، المدير التنفيذي لمختبر دريبر بمدينة بوسطن
بولاية ماساشوسيتس "ستحتاج بلا شك إلى أنظمة هبوط آلية أكثر كفاءة ودقة، أنظمة تمكن المركبات من تتبع التضاريس وتمكن قائدها من مشاهدة ما تقوم به
فوريا من خلال أجهزة تصوير".
لا ينبغي لك أن تعرف مكانك بالضبط فحسب، بل ينبغي أيضا أن
تقدّر - بدقة تبلغ أجزاء المتر - المكان الذي تتوجه إليه وكيف يمكنك تجنب
العقبات التي تعترض طريقك. بعبارة أخرى، علينا تمكين نظام السيطرة الآلية
المركّب في مركبة الهبوط من تنفيذ الأعمال التي كان آرمسترونغ يقوم بها
بعينيه وعقله ويديه عندما كان يهبط على سطح القمر.
ستكون عملية الهبوط عند قطب القمر الجنوبي مثيرة حقا. وعندما يخرج روّاد المركبة منها، قد يكونون يرتدون بذلات فضاء تشبه نموذج Z-2 التجريبي. هذه البذلة
مصممة بحيث تمنح مرتديها قدرا أكبر من الحرية في الحركة من سابقاتها مما
يتيح لهم التسلق والنزول والانحناء لجمع الصخور والأحجار.
وقد
تكون عملية الإنطلاق من سطح القمر محفوفة بالمخاطر أيضا. إذ يقول الدكتور
شيموس توهي الذي يعمل في مختبر دريبر "عندما تنطلق من الأرض، فإنك إنما
تنطلق من قاعدة إطلاق ثابتة ومعروفة".
ويمضي للقول إنه "على القمر، يعتمد كل شيء على المكان الذي هبطت فيه والوضع الذي اتخذته المركبة عند هبوطها".
ربما
تلخّص مركبة الهبوط التي ستستخدم في مهمة 2024، والتي لم يكتمل بناؤها
بعد، بشكل أفضل من أي عنصر آخر من عناصر الرحلة مدى القلق الذي يساور
العاملين في المشروع إزاء قرار تسريع العمل فيه. إذ لا توجد بعد أي من المعدات الضرورية، ولم يتضح كيف سيتم اختبارها قبل حلول عام 2024.
ولكن روبرت زوبرين واثق من أن فترة خمس سنوات ونصف السنة تكفي لإنجاز بناء مركبة الهبوط واختبارها.
إلا
أنه يضيف أن "مشروع البوابة القمرية يحرم عملية تطوير مركبة الهبوط من
الأموال التي تحتاجها، والمركبة هي العنصر الحاسم إذا أردنا الهبوط على سطح
القمر".